محمد بن جرير الطبري

27

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا يعرف من رؤياه شيئا ، إلا شيئا يذكرونه ، فقالوا له : أنت رأيت كذا وكذا ، فقصوها عليه ، فقال : صدقتم قالوا : نحن نعبرها لك . أما الصنم الذي رأيت رأسه من ذهب ، فإنه ملك حسن مثل الذهب ، وكان قد ملك الأرض كلها ؛ وأما العنق من الشبه ، فهو ملك ابنك بعد ، يملك فيكون ملكه حسنا ، ولا يكون مثل الذهب ؛ وأما صدره الذي من حديد فهو ملك أهل فارس ، يملكون بعدك ابنك ، فيكون ملكهم شديدا مثل الحديد ؛ وأما بطنه الأخلاط ، فإنه يذهب ملك أهل فارس ، ويتنازع الناس الملك في كل قرية ، حتى يكون الملك يملك اليوم واليومين ، والشهر والشهرين ، ثم يقتل ، فلا يكون للناس قوام على ذلك ، كما لم يكن للصنم قوام على رجلين من فخار ؛ فبينما هم كذلك ، إذ بعث الله تعالى نبيا من أرض العرب ، فأظهره على بقية ملك أهل فارس ، وبقية ملك ابنك وملكك ، فدمره وأهلكه حتى لا يبقى منه شيء ، كما جاءت الصخرة فهدمت الصنم ؛ فعطف عليهم بختنصر فأحبهم . ثم إن المجوس وشوا بدانيال ، فقالوا : إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول ، وكان ذلك فيهم عارا ، فجعل لهم بختنصر طعاما ، فأكلوا وشربوا ، وقال للبواب : أنظر أول من يخرج عليك يبول ، فاضربه بالطبرزين ، وإن قال : أنا بختنصر ، فقل : كذبت ، بختنصر أمرني . فحبس الله عن دانيال البول ، وكان أول من قام من القوم يريد البول بختنصر ، فقام مدلا ، وكان ذلك ليلا ، يسحب ثيابه ؛ فلما رآه البواب شد عليه ، فقال : أنا بختنصر ، فقال : كذبت ، بختنصر أمرني أن أقتل أول من يخرج ، فضربه فقتله . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي المعلى ، قال : سمعت سعيد بن جبير ، قال : بعث الله عليهم في المرة الأولى سنجاريب . قال : فرد الله لهم الكرة عليهم ، كما قال ؛ قال : ثم عصوا ربهم وعادوا لما نهوا عنه ، فبعث عليهم في المرة الآخرة بختنصر ، فقتل المقاتلة ، وسبى الذرية ، وأخذ ما وجد من الأموال ، ودخلوا بيت المقدس ، كما قال الله عز وجل : وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً دخلوه فتبروه وخربوه وألقوا فيه ما استطاعوا من العذرة والحيض والجيف والقذر ، فقال الله عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا فرحمهم فرد إليهم ملكهم وخلص من كان في أيديهم من ذريه بني إسرائيل ، وقال لهم : إن عدتم عدنا . فقال أبو المعلى ، ولا أعلم ذلك ، إلا من هذا الحديث ، ولم يعدهم الرجعة إلى ملكهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ قال : بعث الله ملك فارس ببابل جيشا ، وأمر عليهم بختنصر ، فأتوا بني إسرائيل ، فدمروهم ، فكانت هذه الآخرة ووعدها . حدثنا القاسم . قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . حدثا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : ثني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، قال : لما ضرب بختنصر الملك بجرانه ، قال : ثلاثة فمن استأخر منكم بعدها فليمش إلى خشبته ، فغزا الشام ، فذلك حين قتل وأخرج بيت المقدس ، ونزع حليته ، فجعلها آنية ليشرب فيها الخمور ، وخوانا يأكل عليه الخنازير ، وحمل التوراة معه ، ثم ألقاها في النار ، وقدم فيما قدم به مائة وصيف منهم دانيال وعزريا وحنانيا ومشائيل ، فقال لإنسان : أصلح لي أجسام هؤلاء لعلي أختار منهم أربعة يخدمونني ، فقال دانيال لأصحابه : إنما نصروا عليكم بما غيرتم من دين آبائكم ، لا تأكلوا لحم الخنزير ، ولا تشربوا الخمر ، فقالوا للذي يصلح أجسامهم : هل لك أن تطعمنا طعاما ، هو أهون عليك في المئونة ما تطعم أصحابنا ، فإن لم نسمن قبلهم رأيت رأيك ، قال : ماذا ؟ قال : خبز الشعير والكراث ، ففعل فسمنوا قبل أصحابهم ،